رأي المجلس حول مشروعي قانونين بشأن نظام المعاشات المدنية

رأي المجلس حول مشروعي قانونين بشأن نظام المعاشات المَدنية

 







 
​الرأي



 

ملخص:

 

أحالَ رئيس الحكومة، في فاتح غشت 2014، على المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ، منْ أجل الدّراسة وإبْداء الرّأي حوْل مشروعيْ القانونيْن التالييْن:
- مشروع القانون رقم 71.14 يغير ويتمم القانون رقم 011.71 الصّادر في 12 من ذي القعدة 1391 (30 ديسمبر 1971) المُحدث بمُوجبه نظام المعاشات المدنية؛
- مشروع القانون رقم 72.14 يغير ويتمم القانون رقم 012.71 الصادر في 12 من ذي القعدة 1391 (30 ديسمبر 1971) المُحدّدة بمُوجبه السنّ التي يجب أن يُحال فيها على التقاعد موظفو وأعْوان الدّولة والبلديات والمُؤسسات العامّة المنخرطون في نظام المعاشات المدنية.
 
وعليه، ووفقا للمادتين 2  و7 من القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عهد مكتب المجلس بهذه الإحالة إلى لجنة خاصة تم إحداثها لإعداد رأي المجلس بشأن مشروعي القانونين المذكورين.
وقد تمت المصادقة بالأغلبية على الرأي خلال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتاريخ 30 أكتوبر 2014.
ويتضمن هذان المشروعان إجْراءاتِ تعتبرها الحكومة استعجاليةً بهدفِ القيام بإصْلاحِ مقياسيّ لنظامِ المعاشات المدنيّة، الذي يديره الصنْدوق المغربيّ للتقاعد.
ويمْكنُ تلخيصُ العناصر الرّئيسية لمشروعي القانونين على النحْو التالي:
· رفع سنّ التقاعد إلى 62 سنة ابتداءً من 1 يوليوز 2015، وتمْديده بصورةٍ تدريجيّة بستة أشهر كلّ سنة اعتبارًا منْ سنة 2016، ليصلَ إلى 65 سنة بِحُلول سنة 2021، مع إمكانية الاستفادة (قبل بلوغ سنّ التقاعد) من المعاش الكامل للتقاعد بعْد 41 سنة من الانْخراط في منظومة التقاعد بدون تطبيق عمليات الاقتطاع من الرّاتبِ المُحتفَظ به؛
· الرّفْع مْن مُسَاهمة الدّولة والمنخرطين، بمعدّل نقطتيْن لكلّ منهما في سنة 2015، ونقطتيْن إضافيتيْن في سنة 2016، لتنتقل المساهمة من 20٪ إلى 28٪ مناصفةً بين الدولة- المُشغِّلة والمُوظّفين المنخرطين في نظامِ التقاعد: أيْ بمعدّل مساهمة ينتقل، بالنسبة لكلّ طَرَف، من 10٪ إلى 12٪ خلال الفترة ما بيْن فاتح 01 يناير و31 دجنبر 2015، ثمّ إلى 14٪ اعتباراً من فاتح يناير 2016؛
· الإعتماد التدريجيّ، على مَدَى 4 سنواتٍ، للرّاتبِ المتوسّط خلال الثمان سنواتٍ الأخيرةِ من الخدْمة الفعلية (96 شهرا) من تاريخ التقاعد، كقاعدةٍ لاحتِساب المَعاش بدلاً من آخِرِ راتبٍ يتقاضاهُ المنْخرط قبل الإحالة على المعاشِ؛
· تخفيضُ نسبة الأقساط السنوية لاحتِساب المعاشِ، من 2,5% إلى 2% بالنسبة لكافّة الحقوق التي سيتمّ توفيرها ابتداءً منْ فاتح يناير 2015، مع الحفاظ على نسبة 2,5% لكافّة »الحقوق المكتسبة«[1] قبل هذا التاريخ.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الإجراءات لا تهمّ إلاّ المنْخرطين النشيطين والمستفيدين مستقبلا من خدمات هذا النظام ابتداءً من تاريخ دخول هذه الإجراءات حيّز التنفيذ، وليْس لها أيّ تأثير على المعاشات الممنوحة للمتقاعدين الحاليين.
 
الإطار المرجعيّ للرّأي
 بالنظرِ إلى الأهمية الاجتماعية والاقتصادية لقطاع التقاعد، وإلى بُعده المجتمعيّ وعلاقته بالأجيال المتعاقِبة، وكذا مساهمته في بناء الادّخار الوطني على المدى الطويل، ودوره المُهيْكِل في تمويل الاقتصاد، فإنّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، استنَدَ في إعداده هذا الرّأي، على إطار مرجعيّ يقوم على ما يلي:
-  توجّهاتِ القانون الأساسي لبلادنا: دستور 2011؛
-  المبادئ والحقوق التي يتضمّنها الميثاق الاجتماعي الذي أعدّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2011، وتوصياته في هذا الشأن؛
-  المبادئ الموجّهة وأهداف الإصلاح الشمولي لمنظومة التقاعد، والتي كانت موضوع توافق بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمؤسساتيين، في إطار العمل الذي انطلق منذ سنة 2004 من طرف اللجنتيْن الوطنية والتقنية المكلّفتيْن بإصلاح نظام التقاعد في المغرب؛
-  الرؤية التي بلورها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأن سياسة الحماية الاجتماعيّة التي تترجمها مختلف توصياته في هذا الصدد، وذات الصلة بمنظومة التقاعد.
انطلاقا من هذا الإطار المرجعيّ، تمفصل تحليلُ المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئي حول المحاور التاليّة:
· الرّهانات الاجتماعيّة المُرتبطة بفعّالية منظومة التقاعد ببلادنا، وبتحسين نسبة التغطية الإجباريّة، وأثرها على مُحاربة الفقر ووضعيّات الهشاشة التي يعيشها المُسنّون، وذلك تماشّيا مع مُتطلبات العدالة الاجتماعيّة والمُساواة في الحقوقِ بيْن كافة المُواطنين منْ جَميع الشّرائح الاجْتماعيّة، رجالاً ونساءً.
· الرّهانات الاقتصاديّة والمؤسّساتية المتّصلة بديْمُومة أنْظمة التقاعد واسْتدامتها المالية، وتأثيرها على التوازناتِ المالية للأنظمة، وبصورةٍ عامّة على التوازنات الاقتصاديّة الوطنيّة؛
· الرّهانات المتعلقة باستمرارية وديمومة منظومة التّقاعد أخذاً بعين الاعتبار متطلبات الإنصاف فيما بيْن الأجيال وداخل الجيل الواحد؛
· الرّهان المتعلّق بتحديث أنظمة التقاعد وإرساء أسس الحكامة الجيدة للقطاع؛
· الإكراهات المتّصلة بأفق ديمومة نظام المعاشات المدنيّة، وما يترتب عنها من ضرورة اتخاذ تدابير اسْتعجالية نحو ضمان استدامة النظام على المدى القصير، في أفق تطبيق الإصلاح الشموليّ.
وفي هذا الاتجاه، تتجلى أهداف رأي المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ فيما يلي:
- الوقوف على وضعيّة أنْظمة التقاعد في المغرب، وأبْرز الاختلالات التي تعاني منها، ولا سيّما نظام المعاشات المَدَنية، معتمداً في ذلك على أعْمالِ اللجنتين الوطنية والتقنية منذ سنة 2004، بالإضافة إلى التقارير التي أنجزتها مختلف المؤسسات الوطنية والدولية في الموضوع، خاصة تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي تم نشره سنة 2013؛
- دراسة الآثار المترتّبة على التدابير المقياسية المقترحة من طرف الحكومة في إطار مشروعيْ القانونيْن موضوع هذه الإحالة، بالنّظر إلى آثارها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وآثارها على التوازُنات المالية لنظام المعاشات المدنية؛ وتحليل مدى مساهمتها في عملية الإصلاح الشمولي لقطاع التقاعد؛
- بلورة توْصياتٍ تسْعى إلى تحسينِ واستكمالِ التدابير المُقترَحَة من قِبَل الحُكُومة، في اتجاه المُساهمة في بناء الإصْلاح الشامل، مع احْترام أهداف التّضامن والعدالة والاجتماعييّن والإنْصاف بيْن الأجيال وداخل الجيل الواحدِ، والاستدامة المالية للنظام وديمومته على المدى الطويل، وكذا الأخذ بعين الاعتبار متطلّبات الإصْلاح الشامل لمنظومة التقاعد في أفق زمنيٍ معقول وواقعيٍ؛
 
مرتكزات إعداد الرأي
مع التأكيدِ على الوعْي العامّ باستعجالية إصلاحِ نظام المعاشات المدنيّة، فإنّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يؤكد على ما يلي:
- ضَرُورة أنْ تندرجَ هذه الإجْراءات في سياق مُقاربة للإصْلاحِ الشُّمولي لمنظومة التقاعد، بناءً على الأعمال المُنْجزة في هذا الشّأْنِ منذ سنة 2004؛
- أهمّية الحوار الاجتماعيّ بيْن الفُرقاءِ الاجتماعيّين وبيْن الحُكومة باعتبارهِ ضمانةً لإنْجاح الإصْلاح والانْخراط فيه، على أن يهم كافّة الجوانب الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأن يؤدي إلى تطبيق فعليٍ للإصلاح الشمولي في أفق مُسْتدامٍ ومُتَحَكَّم فيه.
 
بناء على ما سبق، وعلى المرْجعيّة المشار إليها أعلاه، يرتكز رأي المجلس على 8 مبادئ كبرى كالتالي:
 
1.     ضرورة انخراط أيّ إصْلاحٍ في إطارِ مُقاربةٍ شُمُوليّة لمنظومة التقاعد، وبصفة عامة في أفق بناء منظومة شموليّة للتغْطية الاجتماعيّة؛
 
2.     متطلبات تحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع المواطنين، وإعادة التوازن لفائدة المواطنين ذوي الدخل المنخفض، والاقتسام المنصف لمجهود المُساهمة بما يتماشى مع المَعايير الدّولية )التي تعتمد، بالنسبة للأنظمة الأساسية، مساهمات تتوزّع على أساس الثلث يؤدّيه المنخرط، والثّلثيْن تؤدّيهما الدولة-المُشغِّل؛ الاتجاه نحو اعتماد نموذج متعدد الأشطر: أساسي وتكميلي وإضافي ؛...)؛
 
3.     أهمّيّة مأسسة الحوار الاجتماعيّ الملزم والمسؤول بين الفُرقاء الاجتماعيين وبين الحُكومة باعتباره ضامناً لنجاح أيّ إصْلاحٍ وقاعدةً للتعاقدات الاجتماعيّة الكبرى؛
 
4.     ضرورة الحرْص المتواصل على ديْمومة منظومة التقاعد، وعلى ملاءمتها للتطوّرات المالية والاقتصاديّة والاجتماعية والدّيموغرافيّة، مع احترامٍ مبدأ التسعير العادل والتدْبير الاقتصادي السليم، وضمان قيادة شمولية؛
5.     الاتجاه نحو احترام مبدأ التسعير العادل، باعتباره مكوّنا بنيويّا لديمومة الأنظمة؛
 
6.     إرساء أسس الحكامة التشاركيّة، وذلك بالحرص على التمثيليّة الفعْليّة والمشروعة لممثّلي الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيّين في هيئات التوْجيهِ والاستراتيجية لأنْظمة التقاعد، وإرْساء قواعد شفافة لتقديم الحساب؛
 
7.     ضرورة توفير رؤية واضحٍة لمختلف الفاعلين الاقتصاديّين والاجتماعيين حول كافة الجوانب المتعلقة بتطبيق الإصلاح الشموليّ لمنظومة التقاعد وأهمّ مراحله، ممّا يعزّز مُناخ الثقة ويضمن الانخراطَ الفعليَّ لمختلف الأطراف المعْنيّة؛
 
8.     الطبيعة الاسْتعجاليّة، التي يؤكّد عليها جميع الفاعلين، للانخراطِ في مرحلة أولى من الإصْلاح، ولاسيّما بالنسبة لنظامِ المعاشات المدنيّة، دون إغفال مساهمته في البعد الشموليّ للإصلاحِ.
 
توْصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
تجدر الإشارة إلى النقاش الهام والمثمر والمسؤول الذي واكب إعداد رأي المجلس بصدد موضوع هذه الإحالة، في إطار جلسات العمل المكثفة للجنة الخاصة، وكذا في إطار أشغال المكتب والجمعية العامة بتاريخ 25 شتنبر 2014.
وقد أفرز النقاش، منذ البداية وطيلة مدة إعداد هذا الرأي، وجهتي نظر مختلفتين حول زاوية معالجة الموضوع، وذلك إنطلاقاً من أحد التوجهين التاليين: 
- توجه يدعو إلى اعتماد إطار عام لإصلاح منظومة التقاعد، مع تقديم اقتراحات ذات بعد شمولي، دون تناول الجانب المقياسي، والدخول في المعايير التقنية التي تبقى من اختصاص الحوار الاجتماعي ؛
- توجه ثانٍ يدعو إلى التشديد على موضوع الإحالة المتمثل في الإصلاح المقياسي، واقتراح رأي مقياسي من شأنه أن يشكل أرضية للتفاوض في إطار الحوار الاجتماعي.
استنادا إليه، وطبْقاً لمقتضيات المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فيما يحدّد صلاحيات المجلس، لا سيما في:
 
".....تيسير وتدعيم التشاور والتعاون بين الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعين والمُساهمة في بلورة ميثاق اجتماعي...."،
 
وجّه المجلس أعماله نحو إعداد رأيٍ مسؤول ومستقلّ في أفق بلورة توصيات بنّاءة من شأنها:
-      المساهمة في تطوير رؤية منسجمة لإشكالية التقاعد في بلادنا، وتنزيل الإصلاحات الضروريّة لمنظومة التقاعد بحيث تكون قابلة للتطبيق وواقعيّة وعادلة ومتوازنة، وذلك بالنظر إلى رهانات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتضامن والعدالة الاجتماعيين، والحفاظ على حقوق ومصالح الأجيال القادمة؛
- إغناء النقاش حول إصْلاح منظومة التقاعد في بلادنا، والمُساهمة في تيْسير التشاور بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والحكومة في هذا الشأن، في إطار حوار اجتماعيّ مسؤول وشفّاف.
وقد ساهمت التقارير الغنية والمتعددة المتوفرة في هذا الشـأن، بالإضافة إلى دراسة معمقة لبعض السيناريوهات، في أن يكون للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نظرةً تحليلية متكاملة عن الوضعية العامة لقطاع التقاعد ونظام المعاشات المدنية بشكل خاص؛ مما يسمح للمجلس من بلورة رأي مسؤول وبناء يساهم في تحقيق تقدّمٍ فعليٍ على مستوى تنفيذ الإصلاح الشموليّ لمنظومة التقاعد في المغرب، مع الاستجابة للطابع الاستعجالي لوضعيّة نظام المعاشات المَدَنية.
وفي هذا الاتجاه، تتمحور توصيات المجلس حول توصيات تتعلق بالإطار العامّ للإصلاح الشموليّ وأخرى تخص الأنظمة (كل نظام على حدة) على المدى القصير جدا والقصير والمدى المتوسط، بالإضافة إلى توصيات حول تدابير تكميلية لمواكبة تطبيق الإصلاح المقترح. ويسعى المجلس من خلال هذه التوصيات إلى:
- توفير، منذ البداية، الشروط المستدامة اقتصاديّاً والمقبولة اجتماعيّاً التي تساعد على خلق المناخ المناسب، ليس فقط لتنفيذ هذه المرحلة الأولى من الإصلاح، بل لتنفيذ الإصلاح الهيكلي في شموليّته؛
- السير في اتجاه تحقيق مستوى أوّلي للالتقائية بين أنظمة القطب العمومي مع الأخذ في الاعتبار إكراهات الديمومة المالية والاقتصادية لهذه الأنظمة في أفق معقول؛
- توسيع نطاق هذه المرحلة الأولى من الإصلاح، بحيث لا تقتصر على التدابير الخاصة بنظام المعاشات المدنية، بل تسمح بإدخال مستوى أوّلي على المدى القصير لإصلاح النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR) ؛
طرح مقترحات واقعية قابلة للتطبيق ترمي إلى المساهمة في تيسير عملية الالتقائيّة بين الأنظمة، دون أن تؤدي إلى بروز إكراهات جديدة؛
-  تكريس مبادئ الإنصاف العدالة والتضامن الإجتماعيين، خاصةً لفائدة ذوي الدخل المنخفض؛
- إدراج التخطيط الاستشرافي كمبدأ أساسي لإنجاح الإصلاح الشمولي والذي لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر مراحل كبرى، مُخطّط لها على مستوى مدّة زمنية متحكَّم فيها.
 
توْصياتٌ تتعلّق بالإطار العامّ لإصْلاحِ قطاع التقاعد
أعدّ المجلس توصياته المتعلقة بالإطار العامّ للإصلاح استجابة لضرورة إدراج إصلاح نظام المعاشات في نطاق أوسع يهمّ منظومة الحماية الاجتماعية ككل.
وعلى الرغم من أنّ هذا التوجّه ينخرط في أفق زمنيٍ متوسّط المدى، فإنه ينبغي أن يشكل مبدأً موجهاً أساسياً لبلورة تصوّر الإصلاح الشمولي لمنظومة التقاعد في إطار كلّ شامل ومنسجم ومستدامٍ:
- يدمج بانتظام أبعاد العدالة الاجتماعيّة والإنْصاف بيْن أعضاء الجيل الواحد وبين الأجيال المختلفة في أيّة عملية إصْلاح أو سياسة تنْموية، مع الأخذ في الاعتبارِ التحوّلات الاجتماعية والاقتصاديّة والديموغرافيّة؛
- يأخذ بعين الاعتبار القدرات التمويلية للمشغِّلين (الرهانات التنافسيّة) والقدْرة المُساهماتيّة للمنخرطين (رهانات المُحافظة على القُدْرة الشرائيّة)؛
- يرمي من بين أهدافه، إلى ضمان مستويات دنيا من الدخل والتغطية لكلّ مواطن، مع وضع الآليات المناسبة التي من شأنها تقويم وإعادة تقييم هذه المستويات بحسب التطوّرات الاجتماعيّة والاقتصادية لبلادنا، والإكراهات المتعلقة بالقدرات التمويليّة؛
- يأخذ بعين الاعتبار، في سياق هذا الأفق الجديد للاستدامة الذي يقترحه المجلس بصدد هذه المرحلة الأولى من الإصلاح ( ما يتعلق بنظام المعاشات المدنية)، ضرورة أن تتم بلورة الخطوة الكبرى الموالية وتطبيقها في حيزٍ زمني أقصاه 5 سنوات.
 
ومن ثمّ، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بما يلي:
 
1.  وضع قانون- إطار، على أساس مقاربة تشارُكيّة وبمساهمة الأطراف المعنية، وذلك داخل أجل محدّد على المدى القصير (في أفق يونيو 2015)، على أنْ:
 
- يرتكز على المبادئ الموجِّهة للإصْلاح الشُّموليّ لقطاع التقاعد في المغرب والمنظومة المنشودة؛
 
- يحدّد جدولا زمنيّا دقيقا ومُلزما لجميع الأطراف لتنفيذ المراحل الكبرى للإصلاح الشموليّ لمنظومة التقاعد؛
 
- يحدّد آليات تقييم وتتبّع نتائج التدابير المتخذة لتنفيذ الإصْلاح الشموليّ، بما فيها الانخراط الطوعي في الرفع من السنّ بما هو أبعد من الوتيرة التي يحددها مشروع القانون (إلى حدود 65 سنة)، واتخاذ القرارات المترتبة عن نتائج هذا التقييم؛
- مأسسة آليات حكامة وقيادة فعالة لعملية تنفيذ الإصْلاح الشموليّ، وآليات التقويم الضرورية، بالاستفادة من تجربة اللجنة الوطنيّة.
 
2.  تسْريع وتيرة الأشغال التكميليّة المتعلقة بالدراسات التي نصّتْ عليها اللجنة الوطنيّة، ولا سيّما تلك المتصلة بموضوعات محددة، وعلى وجه الخصوص إشكالية العمل الشاق، والأشخاص في وضعية إعاقة، وتوسيع مجال التغطية لتشمل المواطنين غيْر المتمتّعين بالتغْطية الاجتماعية؛
 
3. في إطار الأهداف المتعلقة بتوسيع تغْطية التقاعد على المدى المتوسط لتشمل المواطنين غير المتمتّعين حاليا بتغطية التقاعد، وبصفة أعمّ توسيع الحماية الاجتماعية:
 
-  اعتماد مقاربة شمولية ومندمجة فيما يتعلق بتمويل أنظمة التغطية الاجتماعية التي من شأنها تعزيز الموارد وترشيد استعمالها؛
 
-  الأخذ بعين الاعتبار متطلّبات توسيع مصادر تمويل الحماية الاجتماعيّة عن طريق موارد أخرى غير الاقتطاعات الاجتماعية: من خلال موارد ضريبية، أو تخصيص جزء من الموارد المتاحة من إصلاح صندوق المقاصة، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من صندوق دعم التماسك الاجتماعي ( انظر إلى توصيات تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول النظام الضريبي).
 
4. وضْع آليات لحكامةِ وقيادةِ أنْظمة التقاعد، بقوّة القانون، بهدف الحرص على استدامتها وملاءمتها للتطوّرات المالية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية. على أنْ تستجيب هذه الآليات للمتطلّبات التالية:
-   ضمان مستوًى من القيادة الشمولية لمجموع الأنظمة على أساس إطارٍ مرجعيّ احترازيّ مشترك، وذلك بُغيةَ تسهيل عملية القيادة، وضمان يقظة مستمرة؛
-  اعتمادُ مقاربةٍ استباقيّة لتدبير المخاطر (الهيكلية والمالية والمؤسساتيّة) من أجل الأخذ بعين الاعتبار مختلف التطورات الديموغرافية والمالية والاجتماعيّة، ومن ثمّ توقُّع مخاطر الاختلالات المالية و\أو تفاقم الديون الضمنيّة للأنظمة؛
- إلزامية اعتماد آليات للتتبع ووضع الاسقاطات الدقيقة على المدى الطويل والطويل جدّا (أفق زمنيّ يمتد إلى ما يزيد على 40 سنة)؛
إلزامية التقييم المستمرّ لفعالية الآليات المُسْتعمَلَة لقيادة وتدبير المخاطر، وذلك من أجْلِ تحْيينها وتحسين نجاعتها؛
5.   إرْساء مبادئ الحكامة التشاركيّة والشفافيّة القائمة على فصل واضح بيْن صلاحيات التوجيه الاستراتيجي والقيادة، وبين تلك المتعلقة بالتدبير، مع الحرْص على التمثيلية الفعليّة والمشروعة للشّركاء الاقتصاديين والاجتماعيّين، داخل هيئات التوْجيه، وقيادة الأنْظمة، وتلك الخاصة بوضع وتقييم سياسات الاستثمار وتوظيف الاحتياطيات المالية؛
 
توْصيات تتعلّق بالتدابير الاستعجاليّة الخاصّة بنظامِ المعاشات المَدَنيّة (على المدى القصير والقصير جدّا)
تستند توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المتعلقة بالتدابير الخاصّة بنظام المعاشات المدنية، على المبدأ القاضي بأنْ تندرجَ جميع التدابير في إطار مقاربة الإصلاح الشموليّ لمنظومة التقاعد، في انسجام واستمرارية للتوافق المكتسب في إطارِ أشغال اللجنة الوطنيّة المكلفة بإصلاح قطاع التقاعد، والتي انطلقت منذ سنة 2004.
 
وفي هذا السياق، يوصي المجلس بما يلي:
 
6. بشأن المُقترح المتعلق برفع سنّ الإحالة على التقاعد، ضرورة اعتبار الرفع من مدّة المساهمة في احترامٍ لمبادئ التضامن والمستلزمات الاستعجالية المتصلة بنظام المعاشات المدنية، وذلك بالحرْص على:
-  اعتماد مقاربة تدريجيّة (مُمتدَّة على أفق زمنيّ يتراوح ما بين 8 و10 سنوات للوصول إلى السن الأقصى المستهدف)، مع الانتباه إلى أثرها على النظام ككلّ من جهة، ومن جهة أخرى على أجيال الموظفين الذين من المتوقّع أن يُحالوا على التقاعد في غضون السنوات الأولى للإصلاحِ. وفي هذا الصدد، يقترح المجلس:
*     اعتماد وتيرة جدّ بطيئة في مرحلة أولى بمعدّل 6 أشهر كلّ سنة خلال السّتّ سنوات الأولى (63 سنة في 2020)؛
*     فتح الباب في وجْه أولئك الذين يرغبون في استباقِ هذا التدرّج، مباشرةً بعد دخول الإصلاح حيّز التنفيذ، والضمان لهم إمكانية الإحالة على التقاعد في سنّ يمكن أن يصل إلى 65 سنة ؛
*     تقييم آثار الانخراط الطوعي، بعد سنتيْن أو ثلاث سنوات، وقياس تأثيرها على ديمومة النظام، وذلك قصد تمكين الأطراف المعنيّة باتخاذ القرارات اللازمة، ولا سيما الرفع من سنّ التقاعد إلى 65 سنة خلال مرحلة إضافية تمتدّ من سنة واحدة إلى سنتيْن (2021- 2022)؛
-  تعديل المادة 7 من المرسوم رقم 749-95-2 لتطبيق القانون رقم 43.95 القاضي بإعادة تنظيم الصندوق المغربي للتقاعد: نحو تحديد الحدّ الأدنى للاحتياطيات القانونية بما يعادل 5 مرّات، عوضاً عن مرتين، متوسط النفقات المثبتة خلال الثلاث سنوات الأخيرة؛
- مواكبة هذا الإجْراء بإحْداثِ درجة إضافيّة داخل الوظيفة العمومية، بحيث يشكل حافزاً للانخراط الطوعي في الرفع من سنّ الإحالة على التقاعد (65 سنة) مما يمكّن الموظفين من مواصلة تحسين أجورهم خلال مرحلة العمل الإضافية؛
7.  بشأن المُقترح المتعلق برفع نسبة المساهمة من 20% إلى 28% خلال الفترة ما بين 2015 و2016، يوصي المجلس بجعل هذه المراجعة فرصة سانحة لوضع مرتكزات المراحل القادمة والضرورية لإرساء قطب عموميّ (وفقاً لخطاطة الإصلاح الشموليّ).
وتطبيقا لمبدأ التوزيع العادل لمجهود المساهمة، وتماشيا مع المعايير الدولية (توصيات مكتب العمل الدولي بشأن الأنظمة الأساسية)، واستعدادا للتمييز، في مرحلة ثانية، بين النظام الأساسيّ والنظام التكميليّ، كلّ حسب خصوصيته، فإنّ المجلس يوصي:
بإحداث شطريْن اثنين في بنية المساهمات داخل نظام المعاشات المدنية:
*     شطر أوّل أساسي محدَّد بسقف قريبٍ من المستويات ​​المتوسّطة للأجور في الوظيفة العموميّة، بزيادة ما بيْن 15% و30% (أيْ ما بين 8.000 و10.000 درهم)، بحيث يسمح هذا الشطر بتغطية معاشٍ أساسيّ بنسبة تعويض تتراوح ما بين 30% إلى 40%.
وتبلغ نسبة المساهمة، بالنسبة لهذا الشطر الأساسي الأوّل، ما بيْن 8% و10%، يتمّ توزيعها على أساس الثلث (أيْ حواليْ 3%) للأجيرِ، والثلثيْن (أيْ حواليْ 6%) للدولة-المشغّلة؛
*     شطر ثانٍ تكميليّ من الدرهم الأوّل، والذي يمكّن من بلوغ معاش إجمالي، يعادل مستوى المعاش المحتسب وفقاً لمعدل الأقساط السنوية والحقوق المكتسبة قبل تاريخ دخول المقتضيات المقترحة حيّز التنفيذ.
وما تبقى من مبلغ المساهمات، التي تصل نسبتها إلى 28%، يتم رصدها لهذا الشطر الثاني، وتُوزَّع بالتساوي ما بين الموظف/ المستخدم والدّولة-المشغّلة.
وهكذا، بالنسبة للأجور الأدنى من السقف، ستتوزّع المُساهمة الإجمالية البالغة 28% على أساس 12,5% للمستخدم مقابل 15,5% للدولة-المشغّلة.
وتجدر الإشارة بأنّ هذين الشطريْن مدعوان بمواكبة المراحلِ القادمة للإصْلاحِ بما يقتضيه ذلك من تطور في المُساهمات، والمبادئ المُؤسِّسة لهما، من أجل إرساء نظاميْن إجبارييْن اثنين: نظامٌ أساسيٌ (الشّطر الأوّل)، ونظامٌ تكميليٌ (الشّطر الثاني).
 
8. بشأن المُقترح المتعلق بقاعدة احتسابِ تصفية المعاش، اعتماد مبدأ "أفضل ثماني سنوات"، بَدَلاً من احتسابِ "السنوات الثماني الأخيرة"، وذلك في أفُقِ خلق انسجام في مبادئ اشتغال القطبيْن العمومي والخاصّ.
 
توصيات تتعلّق بالتدابير الموازية الخاصّة بباقي أنْظمة التقاعُد على المدى القصير
تستند توصيات المجلس، التي يقترحها بالنسبة للأنظمة الأخرى غيْر نظام المعاشات المَدنيّة، على ضرورة الشروع منذ المرحلة الأولى للإصلاح، لتسهيل الإلتقائية بين مختلف أنظمة التقاعد في أفق تنزيل الإصلاح الشمولي، بقطبيه العمومي والخاص.
 
9.بالنسبة للنظامِ الجماعي لمنح رواتب التقاعد(RCAR)، يتعيّن التحضير منذ الآن للمراحل القادمة الضرورية لإرساء قطب عموميّ، وذلك من خلال البدء في إصلاح هذا النظام وفق المسالك التالية:
 
-  اعتماد قاعدة احتساب وعاء تصفية المعاشات على أساس متوسط أفضل 10 سنوات، عوض متوسّط مجموع سنوات العمل، وربط هذا الإجراء بملاءمة مؤشر إعادة تقييم المعاشات وفق منحى تنازلي يستفيد منه ذوو الدّخل المنخفض (على سبيل المثال: 3% بالنسبة للجزء الأوّل من الأجر؛ و2،75%، و2%، و0% بالنسبة للجزء الثاني من الأجر الذي يفوق السقف).
-  تعميم النظام التكميليّ بتطبيقه ابتداءً من الدرهم الأوّل، لكيْ يستفيد منه ذوو الأجور المنْخفضة، وبالتالي السماح لهم بتحسين تقاعدهم، ومُصاحبة هذا الإجراءِ:
*     بتحديد سقف جديد يكون قريبا من الأجر المتوسّط في الوظيفة العمومية، بزيادة تتراوح ما بيْن 15% و30%، أيْ ما بين 8.000 و10.000 درهم (في أفق التقريب ما بين أنْظمة القطب العموميّ)؛
*     الرفع بـنقطتين نسبة المساهمة في النظام التكميلي يتقاسمها بالتساوي المشغل والمستخدم (لترتفع من 6% إلى 8%)؛
*     إحداث سقفٍ ثانٍ يتم تطبيقه على النظام التكميلي، وتحفيز الموظفين الذين تتعدى أجورهم هذا السقف الثاني (2 أو 3 مرّات السقف الأوّل) نحو الانخراط في أنظمة إضافية اختيارية تعتمد على مبدأ الرسملة؛
-    إخضاع عملية إعادة تقييم المعاشات لنطاقٍ يتم احتسابه وفق نسبة التضخّم والنسبة المائوية للزيادة في الأجر المتوسط للمنخرطين.
-    ضمان للمنخرطين، وبطلب منهم، إمكانية تأخير سن الإحالة إلى التقاعد في حدود 65 سنة، وذلك بهدفِ تحسينِ قاعدة احتساب معاشاتهم.
 
10. بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ينبغي كذلك استغلال هذه المناسبة من أجل التحضير للمراحل القادمة للإصلاح:
-   على غرار الأنظمة العموميّة، تمكين الأجراء الذين يرغبون، بتنسيق مع مشغّليهم، تأخير إحالتهم على التقاعد في حدود 65 سنة، وذلك بهدفِ تحسينِ قاعدة احتساب معاشاتهم.
-   إعادة النظر في النصوص المنظّمة لقواعد توظيف احتياطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ، قصد الوصول إلى استثمار أفضل في احترام تامّ للقواعد الاحترازيّة.
 
توصيات تتعلّق بتدابير المًواكَبَة
11. الإسراع في تفعيل السلطة الجديدة للتأمينات وهيئات الحماية الاجتماعية، التي ستتولى ضمن اختصاصاتها، مهمّة الإشراف وتقنين عمل مجموعِ منظومة التقاعد والأنظمة المكوِّنة له؛
 
12. ملاءمة المقتضيات المتعلقة بالقواعد والأهداف والإكراهات المرتبطة بتوظيف احتياطيات صناديق التقاعد، وتوجيهها نحو نجاعة أكبر لسياسات الاستثمار وتخصيص الأصول وتدبير المخاطر المتّصلة بها؛
 
13. تكريس واسْتكمال مقاربة النّوْع على مستوى مجموع الأنظمة، وربطها بسياسة الأسرة مراعاةً لخصوصية وضعية المرأة، وذلك بتمكين النساء المنخرطات في المنظومة من ربح سنة من المساهمة عن كلّ وضع (طفل)، في حدود 3 سنوات (وفقاً للممارسات الجاري بها العمل على الصعيد الدولي)؛
 
14. بالنّظر إلى الأهمية التي تكتسيها أنْظمة التقاعد، بالنسبة لاقتصاد البلاد ولتوازناتها الاجتماعيّة، فإنه يتعيّن ضمان ولوجٍ واسع إلى المعلومة (مفتوحة في وجه العموم). وينبغي أن يشمل هذا الولوج عناصر الخيارات الاستراتيجية المُحَدَّدة للأنظمة، وتتبّع أوضاع هذه الأنظمة، والنتائج التي أسفرت عنها الاستراتيجيات المُعتمَدَة؛
 
15.      فتح نقاشات حول الإصلاح الشامل للوظيفة العموميّة، والتوجّهات المستقبليّة للقطاع، في ضوء أهداف المردودية والجودة والإنتاجية التي تؤشر إلى فعالية المرفق العمومي في الاستجابة للحاجيات والانتظارات المشروعة للمواطنات والمواطنين، وكذا رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
 

 



[1] يقصد بمفهوم "الحقوق المكتسبة" في سياق هذا التقرير جميع الحقوق الجاري بها العمل قبل تاريخ دخول حيّز التنفيذ أيّ إصلاح أو تغيير لقواعد و / أو مقاييس اكتساب الحقوق واحتساب المعاشات.
 

​ 

أنتم و المجلس
إن الوضع الاقتصادي و الاجتماعي الحالي ببلادنا يحتم علينا ...

تتمة

مستجدات
انعقاد الدورة الاستثنائية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي و...

تتمة

آراء
يعتبر المجلس الاقتصادي و الاجتماعي هيئة استشارية تم

تتمة

بلاغات صحفية
تجديد أجهزة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

تتمة