CESE

اقتصاد الرعاية بالمغرب:  رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي

يبرز اقتصاد الرعاية (care economy) باعتباره رافعة استراتيجية أساسية لمواكبة التحولات الاجتماعية والديموغرافية المطردة التي تشهدها العديد من البلدان، ومن بينها المغرب. ووفقًا لمنظمة العمل الدولية، يشمل هذا القطاع مجموع أنشطة الرعاية والعلاقات التي تنشأ عند تقديمها والتي تهدف إلى تلبية احتياجات الأشخاص في وضعية تبعية، ولا سيما الأطفال، والأشخاص المسنين، والمرضى، والأشخاص في وضعية إعاقة، وتغطي أعمال الرعاية المأجورة التي يضطلع بها مهنيو الرعاية، وأعمال الرعاية غير المأجورة التي يقدمها المحيط الأسري في الغالب.

 

وفي هذا السياق، أعد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا تحت عنوان: “ا اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف  القطاعي والتنظيم المؤسساتي”. ويروم هذا الرأي تقديم تشخيص لوضعية أنشطة الرعاية بالمغرب، وإبراز أهميتها الاستراتيجية وإمكاناتها الواعدة، مع اقتراح جملة من التدابير الرامية إلى الاعتراف بهذا العمل بمختلف أشكاله، وإرساء منظومة متكاملة قادرة على تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم التنمية البشرية والاقتصادية بشكل مستدام. وقد صادقت الجمعية العامة للمجلس على هذا الرأي بالإجماع خلال دورتها 171 العادية المنعقدة بتاريخ 26 يونيو 2025 بالرباط.

الرأي

PDF
العربية
PDF
Français

الملخص

PDF
العربية

ملخص

يبرز اقتصاد الرعاية (care economy) باعتباره رافعة استراتيجية أساسية لمواكبة التحولات الاجتماعية والديموغرافية المطردة التي تشهدها العديد من البلدان، ومن بينها المغرب. ووفقًا لمنظمة العمل الدولية، يشمل هذا القطاع مجموع أنشطة الرعاية والعلاقات التي تنشأ عند تقديمها والتي تهدف إلى تلبية احتياجات الأشخاص في وضعية تبعية، ولا سيما الأطفال، والأشخاص المسنين، والمرضى، والأشخاص في وضعية إعاقة، وتغطي أعمال الرعاية المأجورة التي يضطلع بها مهنيو الرعاية، وأعمال الرعاية غير المأجورة التي يقدمها المحيط الأسري في الغالب.

وفي هذا السياق، أعد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا تحت عنوان: “ا اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف  القطاعي والتنظيم المؤسساتي”. ويروم هذا الرأي تقديم تشخيص لوضعية أنشطة الرعاية بالمغرب، وإبراز أهميتها الاستراتيجية وإمكاناتها الواعدة، مع اقتراح جملة من التدابير الرامية إلى الاعتراف بهذا العمل بمختلف أشكاله، وإرساء منظومة متكاملة قادرة على تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم التنمية البشرية والاقتصادية بشكل مستدام. وقد صادقت الجمعية العامة للمجلس على هذا الرأي بالإجماع خلال دورتها 171 العادية المنعقدة بتاريخ 26 يونيو 2025 بالرباط. 

يواجه المغرب تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة، تتجلى أساسًا في ارتفاع أمد الحياة عند الولادة، وتسارع وتيرة شيخوخة الساكنة، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، إلى جانب تغيرات البنيات الأسرية، مع تراجع نسبة الأسر الممتدة وارتفاع نسبة الأسر النووية، مع ما يترتب عن ذلك من إضعاف ممارسات التكافل التقليدية. وتؤدي هذه التحولات إلى تزايد الضغط على الآليات المؤسساتية للتضامن والحماية الاجتماعية وتؤدي إلى ارتفاع الحاجيات المرتبطة بالرعاية ومساعدة الأغيار في وضعية هشاشة.

والملاحظ أن البنيات والخدمات المتوفرة، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا تزال غير كافية للاستجابة للاحتياجات الخاصة للرعاية. إذ تظل عروض الرعاية المقدمة محدودة وتعرف تفاوتا مجاليا كبيرا، كما تتسم البرامج القطاعية الموجهة للأطفال، والأشخاص المسنين، والنساء، والأشخاص في وضعية إعاقة، بطابعها المجزأ وتركيزها على مقاربات مؤسساتية أو صحية ضيقة، في غياب خدمات مهنية منسقة ومتكاملة للتكفل والرعاية.

ويترتب عن هذا الوضع اعتماد كبير على التضامن الأسري في تحمل أعباء الرعاية، رغم ما يعرفه من هشاشة متزايدة. وقد ظلت خدمات الرعاية التي تقوم بها النساء أساسا، تكتسي طابعا لامرئيا، في ظروف يغيب فيها الاعتراف والتثمين، مما تترتب عنه  كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، تتمثل في تعميق الفوارق بين الجنسين، وهشاشة المسارات المهنية، وتراجع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الاقتصادية من شأنه أن يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة تقارب 19 في المائة، منها 16 في المائة تعود إلى أعمال الرعاية التي تقدمها النساء.

انطلاقا من هذا التشخيص، يشكل تطوير اقتصاد الرعاية خيارا استراتيجيا سانحا بالنسبة لبلادنا في مجال الرعاية الاجتماعية، وتعزيز قدرة الأسر على الصمود ، ولا سيما تلك التي تترأسها نساء. ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في: 1- تعزيز التقائية السياسات العمومية عبر اعتماد مقاربات مندمجة تتمحور حول مسارات الحياة وحاجيات الأشخاص في وضعية تبعية؛ 2- دعم التنمية الترابية من خلال إرساء مرافق القرب ميسرة الولوج، وتعبئة الفاعلين المحليين، حتى في أكثر المناطق عزلة؛ و3- خلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة النساء والشباب والأشخاص ذوي المؤهلات المحدودة، لا سيما في مجالات المساعدة المنزلية، ورعاية الأطفال، ومرافقة الأشخاص المسنين أو الأشخاص في وضعية إعاقة، والتأطير في دور الحضانة والمؤسسات المتخصصة.

وللاستجابة لهذه الطموحات، يؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، منظمة ومندمجة وطموحة، قمينة بتحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

ويرى المجلس أن الغاية من اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية لا تتمثل في التخلي عن التضامن الأسري الذي يظل ركيزة أساسية من ركائز التماسك الاجتماعي والثقافي ببلادنا، بل دعمه وتعزيزه، من خلال تخفيف الأعباء الملقاة على الأسر، ولاسيما النساء، وتقاسم المسؤوليات بين الأسر والدولة والجماعات الترابية والمقاولات والمجتمع المدني بشكل أكثر إنصافا. ولبلوغ هذه الأهداف، تتوزع الاستراتيجية الوطنية المقترح إرساؤها إلى أربعة محاور متكاملة :

المحور الأول: جعل أعمال الرعاية رهانا وطنيا وضمان حكامة مندمجة لاقتصاد الرعاية. في هذا الصدد، يوصي المجلس بما يلي:

  • إحداث آلية وطنية للحكامة مخصّصة للرعاية، وتتولى قيادة وتنسيق وتتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية.
  • إرساء إطار قانوني موحّد خاص باقتصاد الرعاية، يؤطّر مختلف المقتضيات القانونية القائمة المرتبطة بأعمال الرعاية بالمغرب.
  • إدماج اقتصاد الرعاية ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية، باعتبارها رافعة عرضانية واستراتيجية لتحقيق التنمية البشرية الدامجة.
  • ضمان التنزيل الترابي للاستراتيجية الوطنية للرعاية، عبر تحويل الأهداف الوطنية إلى مخططات عمل تراعي الخصوصيات الجهوية وحاجيات الساكنة.

المحور الثاني: تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم قائمين على استدامتها. وفي هذا الصدد، يوصي المجلس بما يلي:

  • الاعتراف بمجموع أعمال الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، من خلال إعداد مصنف وطني موحد، معزَّز بخريطة ترابية للمهن، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة.
  • ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة لكافة مهنيي الرعاية.
  • الاعتراف بمهن المساعدين العائليين وتقديم الدعم لهم عن طريق منحهم إجازات خاصة وتمكينهم من الاستفادة من برامج التكوين، ومنحهم تعويضات مادية ملائمة، وإدماجهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

المحور الثالث: ضمان توزيع منصف لأعمال الرعاية عبر آليات مندمجة وتضامنية. وفي هذا الصدد، يوصي المجلس بما يلي:

 

  • الرفع من وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية الاجتماعية الأساسية، على غرار دور الحضانة ورعاية الأطفال، والمؤسسات الطبية الاجتماعية، وخدمات الرعاية المنزلية، للتخفيف من عبء الرعاية غير المأجورة.
  • توسيع معايير الاستفادة من البرامج الاجتماعية في إطار منظومة السجل الاجتماعي الموحد، عبر الإدماج الممنهج لحاجيات الرعاية داخل الأسر بما يتيح استهداف المستفيدين بشكل أدق، وتعزيز أثر الحماية الاجتماعية.
  • إرساء آليات قانونية وخدمات ملائمة (إجازات اجتماعية، أوقات عمل تتسم بالمرونة، عمل عن بُعد) تُمكّن من التوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية.
  • وضع إطار جبائي تحفيزي لاقتصاد الرعاية، يقدم من جهة امتيازات وخصوما ضريبية لفائدة الأسر والمهنيين، ومن جهة ثانية إعفاء خدمات الرعاية المنزلية وخدمات دعم الاستقلالية من الضريبة على القيمة المضافة.

المحور الرابع: الاستثمار في تطوير اقتصاد الرعاية وملاءمته مع قيم المجتمع. وفي هذا الصدد، يوصي المجلس بما يلي:

  • تأطير ودعم آليات الرعاية التضامنية، على غرار الأسر المستقبِلة للأشخاص في وضعية هشاشة، وذلك عبر إعداد دفتر تحملات وطني واضح وتعبئة مساعدات مادية ولوجستيكية ملائمة.
  • تطوير آليات تمويل مبتكرة لخدمات اقتصاد الرعاية، على غرار إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص واعتماد سندات الأثر الاجتماعي أو التمويلات المرتكزة على النتائج، بغية دعم مشاريع الرعاية ذات الأثر الاجتماعي القوي.
  • تشجيع الابتكار التكنولوجي في مجال خدمات الرعاية الاجتماعية، من خلال ملاءمة الأدوات الرقمية (الرعاية الصحية عن بعد، منصات رقمية، أنظمة منزلية ذكية) مع الحاجيات المحلية من أجل تيسير الولوج إلى الخدمات وضمان جودتها وفعاليتها.