يتناول هذا الرأي، الذي أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في إطار إحالة ذاتية، موضوع النقل في الوسط القروي. كما يسلط الضوء على الدور الحاسم الذي يضطلع به النقل القروي في تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين، وتحقيق الإنصاف المجالي، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تواجه صعوبات في توفير الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية داخل مجالاتها الترابية. وعلاوة على ذلك، يقدم هذا الرأي تشخيصًا لوضعية البنيات التحتية الطرقية وخدمات النقل المتوفرة، وذلك للوقوف على منجزات التطور الذي تحقق على مدى العقود الأخيرة، وكذا على مكامن الهشاشة وأوجه القصور التي تحول دون تحقيق الآثار المنشودة، مع اقتراح مجموعة من التوصيات الرامية إلى تعزيز ولوج الساكنة القروية إلى الخدمات والفرص، وتحسين جودة واستدامة النقل القروي، وتيسير تنقل الساكنة. وقد تم اعتماد هذا الرأي بالإجماع من قبل الجمعية العامة للمجلس، خلال دورتها العادية الثانية والسبعين بعد المائة (172)، المنعقدة بتاريخ 24 يوليوز 2025.
يمتد الوسط القروي على أكثر من 90 في المائة من التراب الوطني ويضم أزيد من 13.7 مليون نسمة، أي ما يمثل 37.2 في المائة من إجمالي السكان. وتفرض هذه المعطيات اعتماد سياسات عمومية ناجعة، لا سيما في مجال النقل القروي، الذي يشكل ركيزة ضرورية لتشغيل السكان على الصعيد المحلي، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، والرفع من جاذبية المجالات الترابية.
وتجدر الإشارة إلى ن البرامج التي أُنجزت لفك العزلة عن المناطق القروية ساهمت بشكل ملموس في تحسين تنقل الأشخاص ونقل البضائع، حيث ارتفع معدل الولوج إلى طريق صالحة للمرور طوال السنة من 54 في المائة سنة 2005 إلى 81 في المائة سنة 2022. غير أنه يلاحَظ، في المقابل، أن هذه المكتسبات لا تزال موزَّعة بشكل متفاوت، إذ تعاني المناطق الجبلية والمعزولة أو ذات السكن المتباعد من عزلة مستمرة. كما أن تدهور الطرق غير المصنفة والمسالك القروية وغياب الصيانة المستدامة لها يؤثران سلباً على استمرارية الخدمات، ويزيدان من مخاطر وقوع حوادث السير.
وتعتمد جودة واستمرارية النقل في الوسط القروي أيضًا بشكل كبير على تنظيم وهيكلة مختلف أنماط التنقل بكيفية مندمجة ومتكاملة: من نقل مزدوج، وسيارات الأجرة، والحافلات الرابطة بين المدن، والنقل المدرسي، والنقل الصحي، والنقل المهني. غير أن أنماط النقل هذه تواجه جملة من الإكراهات البنيوية، نذكر منها:
- يعاني النقل المزدوج، الأكثر انتشارًا في الوسط القروي، من تقادم المَركبات، وتجاوز طاقتها الاستيعابية في الغالب، وغياب المرونة في تحديد المسارات المرخصة للمهنيين؛
- لا تغطي سيارات الأجرة وحافلات النقل بين المدن بشكل كافٍ المناطق المعزولة، مما يدفع جزءًا من الساكنة إلى الاعتماد على وسائل النقل غير المنظم؛
- يواجه النقل المدرسي، الذي تؤمّنه في الغالب الجمعيات المحلية، بشراكة مع مجالس العمالات والأقاليم، نقصاً في عدد المَركبات، وخصاصاً على مستوى التأطير، وغياب إدماجه ضمن تخطيط شامل للتنقل القروي، إضافة إلى ارتهان آليات تمويله بشكل كبير بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛
- يسجل النقل الصحي خصاصًا في المَركبات والموارد البشرية المؤهلة، فضلًا عن وجود تفاوتات مجالية قد تؤدي إلى تأخر التدخلات الطبية الاستعجالية؛
- يظل العرض المتوفر في النقل المهني غير منظم في معظمه وتعتريه العديد من عوامل الهشاشة.
وتُعزى هذه المحدودية والهشاشة، في جزء كبير منها، إلى النواقص المسجلة على المستوى القانوني. فالقطاع لا يندرج ضمن أي إطار معياري خاص، ورغم أن دفتر التحملات المتعلق بالنقل المزدوج يحدد بعض القواعد، فإن تنزيلها يظل أمراً معقدًا: إذ أن المسارات المرخصة تكون أحيانًا غير ملائمة، كما أن مراقبة احترام المعايير تبقى محدودة، ولا يتم دائمًا التقيد بشروط الاستغلال. وعلاوة على ذلك، فإن غياب مخطط مندمج ومستدام للنقل والتنقل في الوسط القروي، إلى جانب ضعف تدابير السلامة الطرقية، ينعكس سلباً على تنظيم القطاع، وعلى استمرارية ونجاعة الخدمات، ويحد من ولوج الساكنة القروية إلى المرافق العمومية وأماكن العمل.
انطلاقًا من هذا التشخيص الذي يتقاسمه مختلف الفاعلين الذين جرى الإنصات إليهم، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بوضع مخطط مندمج ومستدام للنقل في الوسط القروي، كمحور أساسي في الميثاق الوطني للتنقل المستدام والشامل في أفق 2035، الذي يوجد قيد الإعداد من طرف القطاع الحكومي المكلف بالنقل واللوجيستيك. وينبغي أن يأخذ هذا المخطط بعين الاعتبار خصوصيات كل مستوى ترابي قروي (الوسط القروي العميق، الوسط القروي الوسيط، والوسط القروي المجاور للمدن)، وكذا تمييز أنماط التنقل المتناسبة مع كل مجال قروي على حدة.
كما يتعين أن يستهدف هذا المخطط المندمج غاية مُثلى تتمثلُ في جعل النقل القروي رافعة استراتيجية للتنمية الترابية، من خلال إعادة تموقع “الدوار” كوحدة مرجعية لتقريب الساكنة القروية من الخدمات والفرص، مع العمل على تحديث البنيات التحتية وضمان استدامتها، وتأمين سلامة الأشخاص وممتلكاتهم، وضمان تمويل مستدام للطرق القروية وخدمات النقل، إضافة إلى إرساء نقل مترابط وفعال يجمع بين بنيات تحتية ذات جودة وأنماط نقل مختلفة وذكية.
ومن هذا المنطلق، يقترح المجلس مجموعة من التوصيات، نذكر من بينها:
- تحديث وتعزيز الشبكة الطرقية القروية، من خلال العمل على التصنيف التدريجي لشبكة الطرق غير المصنفة، وربط المحاور القروية بشبكة الطرق الإقليمية والجهوية، وضمان استدامة البنيات الطرقية المنجزة في إطار برامج فك العزلة عن الوسط القروي، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق المعزولة والدواوير النائية، وذلك بما يضمن ربطًا أمثل وولوجًا منصفًا إلى الخدمات والفرص لفائدة الساكنة القروية.
- إدراج مقتضيات خاصة ضمن مدونة السير تؤطر حركة السير على الطرق غير المصنفة والسياقة في الوسط القروي.
- مراجعة دفتر التحملات الخاص بالنقل المزدوج، من خلال تضمينه معايير تتعلق بجودة الخدمة وشروط السلامة، مع إرساء آلية دعم مناسبة لتشجيع التنزيل الفعلي للنقل المزدوج في الوسط القروي.
- تسريع إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة باختصاصات المجالس الجهوية في مجال النقل والتنقل، بما يمكن الجهات من ممارسة صلاحياتها كاملة في إعداد تصاميم النقل داخل نفوذها الترابي وتنظيم النقل الطرقي غير الحضري للأشخاص بين الجماعات الترابية الواقعة داخل الجهة.
- ضمان نقل مدرسي وصحي ومهني آمن وفعال في الوسط القروي، عبر تعزيز نمط تدبير النقل المدرسي من خلال شركات التنمية، وتوفير سيارات إسعاف ووسائل تدخل استعجالية ملائمة لضمان ولوج سريع ومنصف إلى الخدمات الصحية، وتأطير النقل المهني لضمان تنقل العاملات والعاملين في ظروف آمنة.
- تعزيز تمويل البنيات التحتية والنقل القروي من خلال إرساء آلية مستدامة وخاصة لهذا الغرض، تضمن الصيانة الدورية للطرق غير المصنفة والمسالك القروية والفلاحية، بما يكفل استمراريتها وسلامتها على المدى الطويل.
- تطوير حلول تكنولوجية مستدامة ومبتكرة للنقل القروي تستجيب لحاجيات الساكنة القروية، وتستثمر مزايا التقدّم في مجالي الطاقات المتجددة والشبكات الذكية، مثل المحطات اللاممركزة لإنتاج وتوزيع الطاقة الشمسية والغاز الحيوي لفائدة المَركبات الهجينة.
- تشجيع عرض من المركبات النفعية، مصممة ومصنّعة على المستوى الوطني، وتراعي خصوصيات النقل المزدوج والإكراهات الجغرافية للمجالات القروية.
- تسريع وتيرة رقمنة خدمات النقل والتنقل، خصوصاً فيما يتعلق بتدبير الرخص ومراقبة المـَركبات.
- إعداد مخططات أو دلائل للوقاية والسلامة الطرقية في الوسط القروي، على غرار تلك المعتمدة في الوسط الحضري، وذلك من أجل أخذ خصوصيات الوسط القروي بعين الاعتبار بشكل أفضل، لا سيما ما يتعلق بالطرق غير المصنفة، والإكراهات الجغرافية، وتنقل الساكنة.