يعيش الشباب في مختلف أنحاء العالم في ظل واقع يشهد تحولات عميقة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والبيئي. كما أن الوتيرة المتسارعة للانتقال الرقمي، والتغيرات التي يشهدها سوق الشغل، والتحولات المجالية، إضافة إلى تطور أشكال الانخراط المواطن، كلها عوامل تعيد تحديد المسارات الحياتية للأجيال الشابة. ورغم ما تحمله هذه الديناميات من فرص جديدة، إلا أنها تنطوي أيضًا على جملة من التحديات الكبرى، لا سيما تلك المرتبطة بالإدماج المهني، وضمان الولوج المنصف إلى الخدمات الأساسية، وتحقيق الرفاه الفردي والجماعي.
هذا، واستنادًا إلى مقاربته التشاركية المتأصلة في منهجية اشتغاله، جعل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منذ تأسيسه قضايا الشباب في صلب انشغالاته وأعماله. فقد خصص أحد تقاريره الأولى لموضوع «تشغيل الشباب»، ليكون ذلك منطلقا لسلسلة تضم أكثر من عشرة إصدارات، بين آراء وتقارير استهدفت القضايا المرتبطة بهذه الفئة من المجتمع. وقد أولى المجلس اهتماما خاصا بفئة شباب (NEET)، وهم الشباب الذين يوجدون خارج دائرة الدراسة والتكوين والشغل، ويعيشون وضعية هشاشة.
من جهة أخرى، اهتمّ المجلس بالأشكال الناشئة للتعبير والمشاركة لدى الشباب، والتي تتطور بشكل خاص عبر الوسائط الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومؤخرًا من خلال الذكاء الاصطناعي، بما لها من آثار إيجابية وسلبية على حدّ سواء. وعلى مدى هذه السنوات، حرص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على توسيع وتنويع فضاءات الحوار والتشاور مع الشباب، بهدف فهمٍ أفضل لحاجياتهم وتفاعل أعمق مع انتظاراتهم، والعمل بمعيتهم على البناء المشترك لمقترحات تأخذ بعين الاعتبار بشكل فعلي حقوقهم وتطلعاتهم.
وفي هذا الإطار، ينظّم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كل أسبوع لقاء «الإثنين الشبابي»، وهو موعد قار لتبادل الأفكار والحوار مع الشباب، يتيح اطلاعهم على مهام واختصاصات المجلس وبعض أعماله، مع فتح نقاش معهم حول جملة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما فيها أهمية المشاركة بالقوة الاقتراحية والنقاش البناء في إغناء مسلسل اتخاذ القرار العمومي.
وفي سياق هذه الدينامية، نظم المجلس لقاء وطنيا تحت شعار «حوار الشباب المواطن@المجلس CESE» يوم 26 يناير 2026 بمقر المجلس، الذي شكل مناسبة للانفتاح على صيغة أكثر تقدما على مستوى الإدماج والمشاركة، بحيث أتاح لشباب من مشارب ومجالات ترابية مختلفة وكذا من مغاربة العالم فرصة الانخراط بأنفسهم لتحديد الإشكاليات ذات الأولوية التي تواجههم، والمساهمة بشكل مباشر في التفكير حول الحلول الممكنة لتجاوزها، وهو ما يعكس توجه المجلس الدائم لإرساء فضاء مؤسساتي للإنصات، داعم وحاضن وتعددي على غرار تركيبته يتيح للشباب التعبير بحرية، ويسمح لهم بتبادل أفكارهم، والمساهمة الفاعلة في بلورة مقترحات تستجيب لحاجياتهم وتطلعاتهم.